الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
261
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" قافلة " ! أو كما يحدث في المسرحيات أو التمثيليات ، فنشاهد مناظر للحرب أو الحب أو العداء تتجسد على المسرح ، ثم بعد ساعة يتبدد كل شئ . والدنيا أشبه بالتمثيلية التي يقوم فيها الناس بتمثيل أدوار الممثلين ، وقد تجتذب هذه التمثيلية الصبيانية حتى عقلاءنا ومفكرينا ، ولكن سرعان ما تسدل الستارة وينتهي التمثيل . " لعب " على وزن " لزج " من " اللعاب " على وزن " غبار " وهو الماء الذي يتجمع في الفم ويسيل منه ، فإطلاق لفظة " اللعب " على اللهو والتسلية جاء للتشابه بينه وبين اللعاب الذي يسيل دون هدف . ثم تقارن الآية حياة العالم الآخر بهذه الدنيا ، فتقول : وللدار الآخرة خير للذي يتقون أفلا تعقلون . فتلك حياة خالدة لا تفنى في عالم أوسع وعلى أرفع ، عالم يتعامل مع الحقيقة لا المجاز ومع الواقع لا الخيال ، عالم لا يشوب نعمه الألم والعذاب ، عالم كله نعمة خالصة لا ألم فيه ولا عذاب . ولكن إدراك هذه الحقائق وتمييزها عن مغريات الدنيا الخداعة غير ممكن لغير المفكرين الذين يعقلون ، لذلك اتجهت الآية إليهم بالخطاب في النهاية . في حديث رواه هشام بن الحكم عن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : " يا هشام إن الله وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذي يتقون أفلا تعقلون ( 1 ) غني عن القول أن هدف هذه الآيات هو محاربة الانشداد بمظاهر عالم المادة ونسيان الغاية النهائية ، أما الذين جعلوا الدنيا وسيلة للسعادة فهم يبحثون - في الحقيقة - عن الآخرة ، لا الدنيا . * * *
--> 1 - تفسير " نور الثقلين " ، ج 1 ، ص 711 .